مجمع البحوث الاسلامية

592

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

من الملك وما في قلبه من الآمال ، ألقي على كرسيّه من شدّة المرض كجسد بلا روح . وتوضيحه منّا : إذا مررنا في سورة ( ص ) على قصص داود وسليمان نرى أنّ اللّه أمر النّبيّ بالصّبر على ما كان المشركون يقولونه في حقّه ، فذكّره بقصّة داود عليه السّلام ليقتدي به ويستغفر عمّا ضاق به صدره ممّا يقوله الكافرون ، كأنّه ذنب صدر عنه ، فقال في الآية ( 17 ) منها : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ فحكى جملة ممّا آتاه اللّه من تسخير الجبال والطّير والملك وفصل الخطاب ، إلى أن دخل عليه خصمان بغى بعضهما على بعض ، فحكم بينهما بالحقّ إلى أن قال : وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ * فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ . . . ص : 24 ، 25 ، فالتّفتين هذا - كما جاء في التّفاسير - ما صدر عن داود ممّا أشبه ما تخاصما إليه ، وبعد عدّة آيات ، رجع إلى قصّة سليمان في ( 30 ) بنفس السّياق ، فقال : وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ثمّ حكى قصّة ما عرض عليه من الخيل واشتغاله بها وحبّه ومسحه إيّاها بالسّوق والأعناق حتّى غروب الشّمس - وكان ذلك فتنة له - فاستغفر منها كما قال : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ * قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً . . . ص : 34 ، 35 ، فيبدو أنّ اللّه فتنه بما أحبّ من الخيل واشتغل بها ، فأصابه المرض وألقي على كرسيّه من شدّة المرض كجسد بلا روح ، ثمّ استغفر اللّه ، فغفر له وزاد في ملكه بتسخير الرّيح والشّياطين له ، كما جاء في الآيات بعدها . يخطر بالبال أنّ اللّه أبان لنا في قصصهما - وقد جمع لهما النّبوّة والملك - خطورة الملك حتّى لو كان الملك نبيّا من الأنبياء . بقي الكلام في سرّ حذف ضمير المفعول الرّاجع إلى سليمان - بناء على هذا الوجه - حيث قال : وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً دون ( وألقيناه ) وقد أشكل هذا على الطّباطبائيّ ، فضعّف به هذا القول . وعندنا أنّه تكريم لسليمان ؛ حيث أبهم الكلام إبهاما فلم يصرّح به ، واكتفى بما في ( كرسيّه ) و ( أناب ) من الضّمير الرّاجع إليه ، فإنّ في وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً تجسيم له بصورة قبيحة ، فذكره مبهما . رابعا : في ( 4 ) بحوث : 1 - إنّها جواب عن قول المشركين في صدر الآيات ، من هذه السّورة وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ الأنبياء : 3 ، وليس فيها ذكر عن أكل الطّعام ، لكنّه جاء في غيرها مثل : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ الفرقان : 7 ، وليس فيها ولا في غيرها من الآيات ذكر عن الخلود ، ولكنّه في زعمهم كان لازما لمن لا يأكل الطّعام . وقد فصّلنا القول في أمثال هذه الآية في ( بشر ) المعجم 5 : 620 ، فلاحظ . 2 - قالوا في : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ تبعا للمبرّد : « أنّ العرب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا ، فمعنى الآية إنّما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطّعام ، أي يرجع الكلام عن النّفي إلى الإثبات ، لأنّ نفي النّفي إثبات ، مثل « ما سمعت منك ، ولا أقبل منك » أي إنّما سمعت منك لأقبل منك ، ويوافقه قول قتادة في تفسير الآية : « ما جعلناهم جسدا